انطلاق عملية إسقاط نواف سلام
الأجواء التي سادت قبيل وغداة تعيين الحكومة كريم سعيد حاكماً لمصرف لبنان، من ناحية إظهار الرئيس نواف سلام بمظهر الضعيف والمهزوم، تصب في خانة تأكيد ما أشرنا إليه سابقاً عن إطلاق معارضة سنية "جامعة" ضد رئيس الحكومة، تمهيداً لإسقاطه عبر الشارع، الذي يجري العمل على حقنه بجرعات "مدوزنة" من التأليب حتى ينفجر غضباً في أيلول، الموعد المحدد للتخلص من سلام وطي صفحة النموذج الدولتي الجديد الذي يمثله، والذي يشكل تهديداً لنادي السياسيين التقليديين.
إن اعتماد آلية التصويت هو انتصار للديمقراطية التي كانت مغيبة عن الحياة السياسية، وتجسيد لجدية الرئيس سلام في تطبيق "اتفاق الطائف"، لا سيما من ناحية تحويل مجلس الوزراء إلى مؤسسة حكم تتم في داخلها، عملية صناعة القرار وفق موازين القوى، والتي يمكن أن تتغير حسب القضية المطروحة، مثل وضع جدول زمني لنزع سلاح "الحزب".
إنما ثمة مشكلة في إدارته المشوبة بتوتر دائم يظهر بوضوح في إطلالاته الإعلامية، وينتقل إلى الناس. ما حصل في الجلسة الأخيرة يستوجب على رئيس الحكومة التدقيق ملياً لفرز وتحديد خصومه الحقيقيين، وكيف يعملون على محاصرته، إذ ليس تفصيلاً أن يتم ترويج تلويحه بالاستقالة من قبل الآلة الإعلامية لـ "حزب الله"، والتي نسبت الخبر إلى مصادر مقربة منه، فيما كل المؤشرات منذ تكليفه حتى اليوم تبين بأن فكرة الانسحاب غير واردة في قاموسه.
وبالتالي يعتير هذا الخبر، بمثابة إطلاق عملية إسقاطه في الشارع، الهدف منه، جعل الرأي العام يتداول به حتى إذا ما صار حقيقة تقبّله بسلاسة. والمفارقة أن شريحة من الفريق الداعم لسلام، هي أكثر من عملت على ترويج خبر الاستقالة وحضّته على القيام بها، في حين لا يبدو منطقياً استقالة رئيس حكومة لم يمضِ شهر ونيف على نيلها الثقة، ومن أجل تعيين واحد على أهميته، في الوقت الذي يجب التركيز فيه على سياساتها أكثر من الأشخاص بحد ذاتهم.
ما يجب التركيز عليه أكثر، هو كيفية اصطفاف الرئيس نبيه بري إلى جانب خيار رئيس الجمهورية جوزاف عون، وهو الذي عرف منذ عهد الراحل الياس الهراوي بمناوشاته مع الرؤساء، لكونه "سيد" المحاصصات ومبدع تخريجاتها، ولا يفوت ورشة تعيينات دون أن تكون له بصمة أثيرة فيها.
هنا بالضبط يلتقي بري وما يمثل حالياً، كونه "الأخ الأكبر" مع المعارضين السنة في إظهار سلام بصورة "مغلول اليد"، وغير القادر على إحداث التوازن المطلوب في سيبة الحكم من أجل التخلص منه وما يمثل. فما كادت مداولات الجلسة تخرج إلى ميادين الإعلام ومنصات التواصل حتى ظهر مصطلح "الباشكاتب" بسرعة. فيما تكفل نائب بيروت نبيل بدر، لكونه حديث العهد بالسياسة وزواريبها، بتظهير "إرادة" السنة الكلاسيكيين، من خلال دعوته رئيس الحكومة إلى الاستقالة السريعة.
والحال أنه غداة أول حزمة تعيينات أجرتها الحكومة، نجح "تيار المستقبل" والرئيس نجيب ميقاتي في إشاعة مناخ من الحرمان والإقصاء في الشارع السني في طرابلس والشمال، صار على كل شفة ولسان، وافتعال تحول تاريخي في الخطاب السني يعبر عن مستوى الركاكة والانحدار لديهما، أزاح القضية الفلسطينية من مركزيتها في وجدان أبناء "الأمة" لحساب التوغل في أزقة "شحيم" و"برجا"، والترويج للمظلومية الناشئة عن احتكارهم للمواقع السنية الرفيعة في الدولة.
بمعزل عن كونهم أهل جدارة واستحقاق، فإن تمحيص الإرث الذي آل لسلام من أسلافه يظهر أنهم المسؤولون عن الكارثة التي يعيشها سُنَة طرابلس والشمال، وخصوصاً الرئيسين سعد الحريري ونجيب ميقاتي، اللذين عملا لسنوات على "تهشيل" النخب التي تحمل رأياً ورؤية من مؤسسات الدولة ومحيطهما الضيق، ضمن النهج الذي اتبعاه لتحويل السنة إلى كتلة جماهيرية سهلة الانقياد وفق مفهوم "الخزّان" الشائع في خطابهم.
عدا عن كون النائب أشرف ريفي الذي تقاعد عام 2013، آخر مدير عام من طرابلس لمؤسسة على مستوى لبنان، فإن ما صنعه "المستقبل" وميقاتي أوصل إلى حقيقة يعرفانها كما كل المطلعين على بيانات مؤسسات الدولة، وهي أنه لا يوجد من أبناء طرابلس والشمال من يمكن أن تشمله ورشة التعيينات سوى قلة لا تتجاوز أصابع اليدين، حتى ضمن موظفي الفئة الثانية، لكنهما يريدان تجيير هذه الكارثة إلى حساب الرئيس نواف سلام لتكون باب خروجه من السراي.
إلا أن الأخير لديه العديد من الأدوات السياسية والقانونية المتاحة، أدوات سياسية ودستورية يمكنه توظيفها لإحداث خرق في الجدار السني، خصوصاً شمالاً، مثل التعيين من خارج الملاك، فضلاً عن توسيع فريق عمله واستقطاب نخب يمكنها تفعيل حلقات الوصل والاتصال مع الناس.
حينما سأل الأستاذ غسان شربل الرئيس رفيق الحريري ضمن حواراته التي نشرها في كتاب "لعنة القصر"، إلى أي درجة تعتقد بأن اللبناني العادي عرف ماذا تريد، كان جواب الحريري "لا لم يعرف كل مشروعي، لأننا لم نشرح ما يكفي".
سامر زريق-نداء الوطن
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآنشاركنا رأيك في التعليقات | |||
تابعونا على وسائل التواصل | |||
Youtube | Google News |
---|